قفزة أب والتحول التاريخي من الكفاح المسلح للنضال السياسي
قبل كل شيء، نستذكر شهداءنا الذين ضحوا بأغلى ما لديهم لأجل الحرية، وكتبوا التاريخ عبر الحرب بدمائهم الزكية، وقاوموا حباً للحياة في سبيل تحرر الحياة لشعبنا؛ فقد فقدنا كل شيء على أرضنا التي تم إنكار وجودها وتاريخها وثقافتها، وغزو ذاكرتها بمعنى الكلمة

قبل كل شيء، نستذكر شهداءنا الذين ضحوا بأغلى ما لديهم لأجل الحرية، وكتبوا التاريخ عبر الحرب بدمائهم الزكية، وقاوموا حباً للحياة في سبيل تحرر الحياة لشعبنا؛ فقد فقدنا كل شيء على أرضنا التي تم إنكار وجودها وتاريخها وثقافتها، وغزو ذاكرتها بمعنى الكلمة.
في الحقيقة، علينا الإدراك بأن قفزة “15 آب” لم تكن مجرد عملية عسكرية؛ إنما كانت في تلك المراحل التي كان فيها الشعب الكردي يعيش على حافة الهاوية في زمن كان الناس يخافون فيه من النطق بكلمة “كرد وكردستان”، كان الواقع يُشير إلى أنها ستكون معجزة إن رفع الكرد رأسهم وقاوموا. إلى جانب ذلك، نتذكر الانقلاب العسكري عام 1980 في “12 أيلول”، وكيف دفن معه الإرادة والثقة والقرار، وكيف قضى على أبسط الحقوق في الحياة ولم يترك سوى لغة الموت وخيال الخوف من كل شيء؛ حيث كان الوطن، الهوية، والحرية حتى في الأحلام ممنوعة؛ لأن الأنظمة الحاكمة والاتفاقيات على تراب كردستان أحرقت كل شيء يؤدي للعيش بكرامة. ونتيجة لذلك، سادت سياسة الإنكار والإمحاء، ولم تُعطَ سوى فرصة الانصهار يوماً بعد يوم، حتى باتت الأرض كصحراء قاحلة، وبقيت كلمة “الأمل” مكبلة وتلفظ أنفاسها الأخيرة؛ لذلك نقول إن المأساة كانت عميقة جداً. لقد كان الشعب كجسد بلا روح، وذاكرة بلا عنوان، وطن بلا هوية، وطن بلا مأوى، لدرجة الخجل من الاعتراف بالهوية الكردية، وكان الخوف يلتهم حياتهم ويمحي وجودهم. كان الانكسار عميقاً وبحاجة إلى النهوض، ولكن البلاد استسلمت للاحتلال والاستيلاء، ولم تعد تعرف سوى “حتمية الموت”
إن قفزة “15 آب” لم تكن عملية عسكرية فحسب، بل كانت ناقوساً يدق في عالم النسيان؛ عندما كان الشعب يعيش في ظل القدر العميق الخالي من الذاكرة التاريخية، وبعيداً عن المعرفة والوعي التنظيمي للهوية الكردية.
وكانت قفزة 15 أب ميلاداً جديداً للمجتمع الكردي، وبمثابة ملحمة الانبعاث الشرارة الأولى التي بثت روح الأمل وزرعتها في نفوس المجتمع، وأصبحت الجسر الواصل ما بين الانتفاضات الكردية في كردستان والكفاح المسلح، لتصل إلى النضال السياسي الديمقراطي. وبها انطلقت من جديد جميع القيم من كنف الموت إلى حياة حرة ذات كرامة ومعنى للوجود، في وطن كان للذئاب مأوى وللظالمين مرقداً؛ لتطهير المجتمع بأكمله. وارتباطاً بذلك، فإن إحياء تلك الظروف والواقع من جديد لم يكن سهلاً أبداً؛ حيث كان يتطلب خوض حرب دؤوب لا مفر منها، وكان اختيار طريق الحرب حتمياً لأنها تستحق النضال للوصول إلى النصر، ولم يكن هناك خيار آخر لاسترجاع تلك القيم.”
وعلى هذا الأساس، بدأت المقاومة التاريخية لحزب العمال الكردستاني (PKK) بعد إعلان الحزب بسنوات، بالاستناد إلى أسلوب السرية والتنظيم بين الشعب الوطني ، إلى أن وصلت إلى مرحلة التحول الاستراتيجي. وبدأت في “15 آب” 1984 حرب الحياة وعزة النفس لكسب التاريخ المفقود، وشكّلت نقطة انطلاق تاريخية على مر الزمان في تاريخ الشعب الكردي والقضية الكردية؛ حيث قطعت مسافة كبيرة بعد التنظيم والتأسيس، لتنتقل من نمط النضال السياسي إلى “استراتيجية الحرب الشعبية الثورية” وتصعيد أسلوب الكفاح المسلح، لتكون النواة الأولى للدفاع عن معنى الوجود والحماية الجوهرية، وقادت المسيرة برفع صوت الحق والعدالة والمقاومة والكرامة بحد ذاتها.
قفزة “15 آب” هي نداء للنهوض، وللأمل والعمل والسعي وراء الحقيقة؛ فقد كانت لغة الأحرار للوطن، وكانت رشقات الحرية في كل لحظة. لقد كانت تمثل أفكاراً وأهدافاً ضمن أيديولوجية تسعى لتعريف نفسها ببذل تضحيات بلا حدود؛ لأن معرفة الذات وإحياءها كانتا جوهر هذه القفزة، ولأن المجتمع كان في سبات عميق لا حول له ولا قوة. لذلك، فإن الإدراك كان يبدأ من المعرفة بنهج هذه الحرب، وكان الإحساس بالعبودية هو الدافع الأقوى لتوسيع قفزة آب. ومن الضروري جداً استيعاب تاريخ كردستان والاعتراف بأنها أرض مستعمرة، لكي نصل إلى قيادة القفزة التاريخية ونتعمق في أهميتها… نعم، لقد كان الكردي في ساعة الصفر.”
قفزة “15 آب” رفضت لغة القدر والغفلة والخيانة والاستسلام والإرادة المسلوبة، الموت الرخيص؛ رفضت كل أنواع العبودية، ورفضت الذل بحد ذاته، ولم تعد تقبل سوى العيش بكرامة في وطن حر تُصان فيه الهوية والتاريخ.
مثلت قفزة “15 آب” استراتيجية بدأت من مقولة “كردستان مستعمرة”، إلى أن ناضلت في تكوين وتشكيل مجموعاتها عبر نهج الوطنية والتحرر الوطني؛ حيث عملت على تكثيف الجهود لتنظيم ذاتها وصولاً إلى نمط الحرب الشعبية الثورية. لقد حققت الكثير من الإنجازات، خاصة في إثبات الوجود للكرد وللقضية الكردية، كمجتمع ذي تاريخ ووجود، وأعادت الكرامة لشعبها، وكسرت كل الحواجز من الخوف إلى الخجل، وقاومت كل أنواع الظلم، وجسدت المقاومة لبناء الحياة الجديدة كمبدأ للنصر، وقامت على إحياء الروح في الأجساد التي فقدت طعم الحرية، بعد أن كانت مذلول بمعنى الكلمة على مر التاريخ. إن جوهر هذه القفزة كان حرباً لإحياء الحياة والإيمان، وكرست طريق الشهادة كجسر لتحقيق الحياة الحرة، وكان كسر القيود أحد أهم الأهداف المقدسة لها.
وفي ظل المرحلة الراهنة، وبعد نداء القائد عبد الله أوجلان في تاريخ 27 شباط 2025 لأجل حل الحزب وإلقاء السلاح، وبناءً عليه تم إعلان الحزب عن وقف إطلاق النار في تاريخ 12 أيار 2025؛ ها نحن نعيش ذكرى قفزة 15 آب بعد إلقاء السلاح، ونمر بمرحلة انتقالية استراتيجية من لغة الحرب إلى لغة الحوار والسياسة، عبر نهج السلام والمجتمع الديمقراطي لتقديم الحلول الجذرية على صعيد القضية الكردية والهوية الكردية والوحدة الوطنية في الداخل الكردي. لقد دخلنا إلى استراتيجية النضال السياسي الديمقراطي، وكل هذا من ثمار روح قفزة 15 آب؛ لأن هذه الحرب حررت نفسها من قيود الإنكار والإمحاء والإبادة وما زالت تقاوم.”
قفزة “15 آب” هي الجواب الحاسم على فلسفة الموت في واقع كردستان، وهي فك لغز مقولة “كردستان مستعمرة”، بالتوازي مع إنهاء مهمتها التاريخية لدور العنف في كردستان وإيصالها إلى حرب الوجود من أجل الحياة؛ حيث فتحت الطريق للحوار السياسي الديمقراطي بالاستناد إلى الكومينالية والحياة الاشتراكية الحرة لمجتمع أخلاقي وسياسي. لقد استمدت القفزة قوتها من روح وفلسفة الشهادة في طريق الحرية، ومن مقاومة القادة الأبطال الذين كان لهم الدور الأساسي في تحقيق هذه المكتسبات والقيم في يومنا الراهن. وستبقى ذكرى “15 آب” خالدة في ذاكرتنا لأجل حماية مستقبلنا؛ لذلك نقول إن أيديولوجية “15 آب” صنعت الحياة من الموت، وكانت رمزاً لشعار “إما الشهادة أو النصر”، فهي بحق حرب الحياة الحرة، وعلى هذا الأساس نحيي ذكرى المقاومة ونهج حيا.
أن مرحلة السلام والمجتمع الديمقراطية التي تسعى لإندماج ديمقراطي وتكامل بين الدولة والديمقراطية هو استكمال للإنجازات التي جنيت في “قفزة ١٥ أب ” واليوم الشعب الكردي الذي وصل مرحلة الحصول على حقوقه بالطرق القانونية والسياسية هو الشعب الذي أحيته “قفزة ١٥ أب ” وأخرجته من المفقود للوجود واليوم وصل المحافل البرلمانية والدساتير التي كتبت قبل سنوات ضده وهمشته.
ما جرى ويجري بكد القائد عبدالله أوجلان و الشهداء الذين ناضلوا بكل ما يملكون أصبح الكرد جزء من العملية السياسية وخاصة أننا في مرحلة التغير والتحول السياسي وهكذا يستمر النضال والكفاح.
لذلك نقول إن أيديولوجية “15 آب” صنعت الحياة من الموت، وكانت رمزاً لشعار “إما الشهادة أو النصر”، فهي بحق حرب الحياة الحرة، وعلى هذا الأساس نحيي ذكرى المقاومة ونهج حياة
هيزل انكين



