المقالاتالأبحاث
أخر الأخبار

من شرارة 15 آب إلى ثورة المرأة

عاش الشعب الكردي في أجزاء كردستان الأربعة، تاريخاً طويلاً من سياسات إنكار الهوية ومحاولات تقييد اللغة والثقافة والوجود السياسي والاجتماعي. وفي سياق هذه الظروف ظهرت حركة التحرر الكردستانية التي اتخذت من التنظيم السياسي والفكري والعمل العسكري مسارات لمواجهة ما كانت تعتبره سياسات اضطهاد وإنكار للحقوق

عاش الشعب الكردي في أجزاء كردستان الأربعة، تاريخاً طويلاً من سياسات إنكار الهوية ومحاولات تقييد اللغة والثقافة والوجود السياسي والاجتماعي. وفي سياق هذه الظروف ظهرت حركة التحرر الكردستانية التي اتخذت من التنظيم السياسي والفكري والعمل العسكري مسارات لمواجهة ما كانت تعتبره سياسات اضطهاد وإنكار للحقوق. وهنا تبرز أهمية التمييز الزمني بين تأسيس حزب العمال الكردستاني (PKK) عام 1978، وبين تأسيس جناحه العسكري “وحدات تحرير كردستان” (HRK) عام 1984، إذ شكّل تأسيسها قفزةً إلى مرحلة جديدة من العمل المسلح.

ارتبطت هذه المرحلة باسم المناضل معصوم قورقماز، المعروف باسم “عكيد”، الذي أصبح أحد أبرز رموز البناء العسكري والتنظيمي للحركة. وفي 15 آب 1984 نفذت قوات HRK عمليتين عسكريتين متزامنتين في إروه وشمدينلي في باكور كردستان، لتدخل الحركة مرحلة الكفاح المسلح بصورة معلنة. وتحولت ذكرى 15 آب إلى رمز تأسيسي في الذاكرة السياسية والعسكرية للحركة، ثم امتد تأثير التجربة التنظيمية والعسكرية عبر الحدود نحو أجزاء أخرى من كردستان. ومن هذه الزاوية يمكن فهم وصول أثر تلك التجربة إلى روج أفا ضمن مسار تاريخي طويل، تداخل لاحقاً مع التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا منذ عام 2011.

من الكريلا إلى بناء الوحدات النسائية

مع تطور العمل العسكري لحزب العمال الكردستاني، تشكلت تجربة “الكريلا” باعتبارها نموذجاً للعمل المسلح والتنظيم الميداني. وخلال السنوات اللاحقة دخلت المرأة بصورة متزايدة إلى هذا المسار، ثم تطورت مشاركتها نحو بناء تشكيلات نسائية مستقلة. وتكتسب سنة 1993 أهمية خاصة في هذا السياق، إذ شهدت تأسيس أول قوة نسائية مستقلة ضمن صفوف الكريلا، لتأخذ مشاركة النساء في العمل العسكري شكلاً تنظيمياً أكثر وضوحاً واستقلالاً.

أسهم هذا التحول في إعادة صياغة صورة المرأة داخل الحركة؛ فالمقاتلة أصبحت حاضرة في الجبهات، وارتبطت مشاركتها بالتدريب والتنظيم وتحمل المسؤولية والقيادة. ومع تراكم التجربة، اتسع مفهوم مشاركة المرأة من حضور عسكري محدود إلى مشروع يربط الدفاع عن المجتمع بدور المرأة في المجالين السياسي والاجتماعي. ومن هنا جاءت تجربة الوحدات النسائية في روج أفا لاحقاً ضمن سياق أوسع سبق أحداث سوريا بسنوات.

من ثورة روج أفا إلى تشكيل القوات النسائية

في 19 تموز 2012 دخلت مناطق كردية في شمال سوريا مرحلة تحول سياسي وميداني كبيرة، ارتبطت بخروج مؤسسات الدولة السورية من أجزاء من المنطقة وتشكّل هياكل محلية جديدة. وفي العام نفسه ظهرت وحدات حماية الشعب (YPG) بصفتها قوة عسكرية مختلطة، وشاركت النساء منذ المراحل الأولى في هذه التشكيلات. ومع تصاعد المخاطر العسكرية واتساع المواجهات، بدأت النساء بتشكيل مجموعات مستقلة في عدد من المناطق.

وتشير مصادر مرتبطة بتجربة وحدات حماية المرأة إلى محطات تنظيمية دقيقة سبقت الإعلان الرسمي عن YPJ؛ ففي 13 شباط 2013 تأسست “كتيبة الشهيدة روكن” في عفرين، وفي 9 آذار تأسست “كتيبة الشهيدة عدالت” في قامشلو، ثم تأسست “كتيبة الشهيدة دجلة” في كوباني في 24 آذار من العام نفسه، حيثُ شكلت هذه الكتائب مقدمات مباشرة للانتقال نحو قوة نسائية عسكرية موحدة.

وفي 2–4 نيسان 2013 عقدت النساء مؤتمراً جمع ممثلات عن مختلف الكانتونات، وفي 4 نيسان أُعلن تأسيس وحدات حماية المرأة (YPJ) كقوة عسكرية نسائية مستقلة. وهكذا انتقلت مشاركة المرأة من وجودها داخل تشكيلات مختلطة إلى بناء مؤسسة عسكرية نسائية ذات هيكل وتنظيم وتدريب خاص.

تأسيس وحدات حماية المرأة وتوسّع دورها

أصبح تأسيس YPJ في 4 نيسان 2013 محطة مركزية في تاريخ المرأة العسكرية في روج أفا. فقد تأسست الوحدات في مرحلة كانت فيها المنطقة تواجه تهديدات عسكرية متعددة، من بينها جبهة النصرة وتنظيم داعش، إلى جانب أطراف أخرى في سياق الحرب السورية. وشاركت مقاتلات YPJ في الدفاع عن مناطق روج أفا، ثم اتسعت مشاركتهن مع انتقال المعارك إلى مناطق أخرى في شمال وشرق سوريا.

وفي المرحلة الأولى برزت مشاركتهن في معارك عفرين ومناطق الجزيرة وكوباني، ثم أصبحت مقاومة كوباني أمام تنظيم داعش الإرهابي خلال عامي 2014 و2015 إحدى أبرز المحطات التي منحت المقاتلات حضوراً دولياً واسعاً. وقد لعبت YPJ، إلى جانب YPG، دوراً أساسياً في الدفاع عن المدينة خلال الحصار والهجوم الذي بدأه تنظيم داعش في 2014.

كما شهد عام 2014 محطة مفصلية أخرى تمثلت في هجوم تنظيم داعش على شنكال في العراق في 3 آب، وما رافقه من قتل وأسر واستعباد لآلاف الكرد الإيزيديين، وخاصة النساء والفتيات. وفي هذا السياق شاركت القوات الكردية، ومن ضمنها مقاتلات YPJ، في العمليات المرتبطة بفتح ممرات وإنقاذ المحاصرين ومواجهة التنظيم الإرهابي، ثم استمرت قضية إنقاذ النساء الإيزيديات ضمن العمليات اللاحقة ضد التنظيم.

من كوباني إلى الرقة والباغوز

بعد مقاومة كوباني، اتسع نطاق العمليات العسكرية التي شاركت فيها YPJ ضمن التحالف العسكري الذي تشكل لاحقاً حول قوات سوريا الديمقراطية (SDF). وتأسست قوات سوريا الديمقراطية في تشرين الأول 2015، وأصبحت YPJ جزءاً من بنيتها العسكرية في الحرب ضد تنظيم داعش.

وهنا تستدعي الدقة التاريخية تصحيح التسلسل الزمني الوارد في بعض الروايات؛ فقد بدأت معارك تحرير الرقة عام 2017، ضمن عملية “غضب الفرات” التي انطلقت في تشرين الثاني 2016، وانتهت بتحرير مدينة الرقة في تشرين الأول 2017. ثم جاءت المرحلة الأخيرة ضد التنظيم في منطقة الباغوز خلال عام 2019، وانتهت بسقوط آخر معاقله في آذار 2019. وهكذا امتدت تجربة المقاتلات من الدفاع عن المدن والقرى في روج أفا إلى المشاركة في عمليات عسكرية واسعة ضد تنظيم داعش في شمال وشرق سوريا

شنكال والمرأة الإيزيدية: امتداد قضية التحرر

ارتبط حضور المرأة الكردية عسكرياً أيضاً بقضية النساء الإيزيديات اللواتي تعرضن للاختطاف والاستعباد عقب هجوم تنظيم داعش على شنكال في 3 آب 2014. ومع تقدم العمليات العسكرية ضد التنظيم، شاركت YPJ ضمن القوات التي واجهته، ثم ظهرت أدوار أخرى مرتبطة بالبحث عن النساء المختطفات وإنقاذ بعضهن من شبكات التنظيم ومراكزه.

وتواصل هذا الجانب الإنساني خلال السنوات اللاحقة، ومنها عمليات داخل مخيم الهول في شمال شرق سوريا. ففي 25 آب 2022 انطلقت المرحلة الثانية من “عملية الأمن والإنسانية” داخل المخيم بمشاركة YPJ وقوات سوريا الديمقراطية وقوات الأمن الداخلي، وأسفرت عمليات لاحقة عن إنقاذ نساء إيزيديات تعرضن للاختطاف خلال هجوم شنكال عام 2014. وفي شباط 2024 أُعلن عن إنقاذ امرأة إيزيدية من مخيم الهول بعد نحو عشر سنوات من الأسر على يد تنظيم داعش، ضمن عملية شاركت فيها YPJ وقوات أمنية في شمال شرق سوريا.

سري كانيه ومحطة جديدة في مسار الحرب

دخلت تجربة YPJ مرحلة جديدة في تشرين الأول 2019، حين بدأت تركيا ومرتزقتها بالهجوم على مناطق في شمال شرق سوريا، واستهدفت العملية بصورة رئيسية منطقة سري كانيه/رأس العين وتل أبيض ومحيطهما. وشاركت قوات YPJ إلى جانب YPG وQSD في مواجهة الهجوم، لتتحول المعركة إلى محطة أخرى في تاريخ الوحدات النسائية، بعد سنوات من القتال ضد تنظيم داعش.

وقد أظهرت هذه المرحلة انتقال دور YPJ من مواجهة تنظيم داعش بصورة أساسية إلى الدفاع عن مناطق الإدارة الذاتية في مواجهة تهديدات عسكرية أخرى. ومن ثم أصبح حضور المرأة في البنية الأمنية والعسكرية جزءاً من منظومة أوسع تشمل القوات العسكرية وقوى الأمن الداخلي ومؤسسات المجتمع المدني.

من القوة العسكرية إلى منظومة نسائية متكاملة

ترافق تأسيس YPJ مع توسع مشاركة النساء في مؤسسات الأمن والدفاع والعمل السياسي والاجتماعي في روج أفا وشمال وشرق سوريا. فإلى جانب القوة العسكرية النسائية، تشكلت أطر نسائية في مجال الأمن الداخلي، كما توسعت مشاركة النساء في المجالس والمؤسسات المدنية والتنظيمات السياسية.

وتكشف هذه التحولات عن انتقال تجربة المرأة من مجرد المشاركة في الدفاع العسكري إلى بناء مؤسسات نسائية متعددة الوظائف. وأصبحت المرأة حاضرة في التدريب والتنظيم والأمن والسياسة والإدارة والعمل الاجتماعي، مع احتفاظ YPJ بمكانة مركزية ضمن هذا المسار. كما تأسست لاحقاً مؤسسات نسائية عديدة، ومنها مجلس المرأة في شمال وشرق سوريا عام 2019، بما يعكس اتساع التجربة من المجال العسكري إلى المجال المجتمعي.

شرارة محلية تحولت إلى صورة عالمية

تظهر مسيرة المرأة الكردية في هذا السياق بوصفها سلسلة مترابطة من التحولات بدأت مع المشاركة النسائية ضمن صفوف قوات الكريلا، ثم تأسيس الوحدات النسائية ضمن الحركة في التسعينيات، وصولاً إلى الكتائب النسائية الأولى في روج أفا خلال عام 2013، ثم الإعلان الرسمي عن وحدات حماية المرأة (YPJ) في 4 نيسان 2013. ومنذ ذلك التاريخ ارتبط اسم YPJ بمحطات عسكرية كبرى، من الدفاع عن عفرين وكوباني إلى مواجهة تنظيم داعش الإرهابي في مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا، ثم المشاركة في عمليات تحرير الرقة والباغوز، ومواجهة الهجوم التركي على سري كانيه عام 2019، والمشاركة في عمليات أمنية وإنسانية داخل مخيم الهول.

وهكذا أخذت شرارة 15 آب 1984 موقعاً رمزياً ضمن سردية تاريخية أوسع لدى الحركة الكردستانية، فيما جاءت تجربة روج أفا بعد عقود لتمنح المرأة موقعاً مركزياً في مشروع الدفاع والتنظيم والمشاركة العامة. ومع تأسيس YPJ في 4 نيسان 2013، تحولت مشاركة المرأة إلى مؤسسة عسكرية نسائية واضحة المعالم، ثم اتسع حضورها إلى مجالات الأمن والسياسة والمجتمع. ومن هنا اكتسبت تجربة المرأة المقاتلة في روج أفا حضوراً عالمياً، وأصبحت واحدة من أكثر صور مشاركة النساء في الدفاع المسلح إثارة للاهتمام خلال العقدين الأخيرين، مع بقاء هذه التجربة جزءاً من واقع سياسي وعسكري شديد التعقيد في سوريا والمنطقة.

وأن استكمالاً لما أنجرت المرأة ودورها الريادي خلال ال 42 عاماً من النضال مازالت على إصرارها ومع التوجه نحو العملية السياسية حسب توجيهات القائد آبو بقيت المرأة حاضرة بكل إرادتها التي استمدتها من شرارة الحياة شرارة 15 أب وبكل عزم وإصرار تحمي المكتسبات وتثبت للجميع أن دور المرأة أساسياً بكل مجالات العمل .

 

سيبل جان ملا سلمان

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى