المقالات
أخر الأخبار

15 آب... من البندقية إلى السياسة الديمقراطية

هناك أيام لا تبقى مجرد تواريخ في الذاكرة، بل تتحول إلى منعطفات تغيّر مسار التاريخ. وهناك تواريخ لا تتوقف عند لحظة ولادتها، بل تستمر في إعادة تشكيل نفسها كلما تغيّر الزمن. فالتاريخ لا يعيش في لحظة واحدة؛ لكل مرحلة لغتها، ولكل زمن أدواته، ولكل جيل طريقته في قراءة ما مضى وصناعة ما سيأتي.

هناك أيام لا تبقى مجرد تواريخ في الذاكرة، بل تتحول إلى منعطفات تغيّر مسار التاريخ. وهناك تواريخ لا تتوقف عند لحظة ولادتها، بل تستمر في إعادة تشكيل نفسها كلما تغيّر الزمن. فالتاريخ لا يعيش في لحظة واحدة؛ لكل مرحلة لغتها، ولكل زمن أدواته، ولكل جيل طريقته في قراءة ما مضى وصناعة ما سيأتي.

ليست كل البدايات تشبه النهايات. فبعض المحطات تبدأ بصوتٍ مرتفع، ثم تنضج مع السنوات حتى يصبح صداها أعمق من الضجيج. فالزمن لا يغيّر الأحداث وحدها، بل يغيّر الإنسان أيضًا، ويعلّمه أن أعظم الانتصارات ليست دائمًا تلك التي تُحسم في ساحات القتال، بل تلك التي تفتح أبوابًا جديدة للحياة.

وحين ينضج التاريخ، لا يكون أعظم إنجازاته أنه عرف كيف يقاتل، بل أنه امتلك الشجاعة لفتح طريقٍ نحو المستقبل. فالسلام ليس نهاية المبادئ، ولا يعني نسيان ما مضى، بل يمكن أن يكون بداية مرحلةٍ تُختبر فيها قوة الأفكار بدل قوة السلاح، ويصبح الحوار وسيلةً لصناعة ما عجز الصراع عن تحقيقه.

في فجر الخامس عشر من آب عام 1984، انفتح فصل جديد في مسار الحركة الكردية. لم يكن ذلك اليوم مجرد تاريخ عابر، بل لحظة تحولت فيها فكرة إلى فعل، وصوت إلى مسار، في مرحلةٍ كان الصراع فيها لغةً حاضرة بقوة، وكان أصحاب تلك التجربة يرون أن الدفاع عن الهوية والحقوق يتطلب طريقًا مختلفًا.

بدأت المسيرة بلغة السلاح، في ظروفٍ تاريخية وسياسية معقدة، وتحملت سنواتها الكثير من التضحيات والآلام. ومع مرور الزمن، لم يبقَ الخامس عشر من آب مجرد ذكرى لبداية مواجهة، بل تحول إلى رمزٍ لمسيرة طويلة أعادت قراءة نفسها مع كل مرحلة، وتبدلت أدواتها بتبدل الظروف.

ومع امتداد اثنين وأربعين عامًا، تعاقبت الأجيال، وتغيرت المنطقة، وتبدلت موازين كثيرة، لكن السؤال بقي حاضرًا: كيف يمكن الانتقال من إرث الصراع إلى أفقٍ يصنع المستقبل؟

واليوم، يبدو أن التاريخ يفتح صفحة أخرى. فإذا كانت البندقية قد ارتبطت ببداية مرحلة، فإن الكلمة والسياسة والحوار يمكن أن تكون أدوات المرحلة القادمة. وهنا لا يصبح التحول تخليًا عن التاريخ، بل قراءة جديدة له؛ انتقالًا من لغة المواجهة إلى لغةٍ تبحث عن الحلول، ومن منطق الصراع إلى إمكانية بناء السلام.

فالقوة ليست في أن يبقى السلاح حاضرًا إلى الأبد، بل في أن تمتلك الشعوب شجاعة تغيير أدواتها عندما تتغير الظروف. والقوة الحقيقية أن تصبح الكلمة قادرة على الوصول إلى ما لم تصل إليه الرصاصة، وأن يصبح الحوار أوسع من ساحات المواجهة، وأن تتحول الإرادة من قوةٍ تقاوم الواقع إلى قوةٍ تصنع مستقبلًا مختلفًا.

إن الأزمنة العظيمة لا تُخلّد لأنها عرفت كيف تبدأ الصراع فقط، بل لأنها عرفت كيف تفتح بابًا لمرحلة جديدة. وكل تجربة، مهما كانت قاسية، تكتسب معناها الأعمق عندما تتحول تضحياتها إلى وعي، وآلامها إلى حكمة، وذاكرتها إلى جسرٍ يعبر نحو الغد.

وهكذا، يبقى الخامس عشر من آب شاهدًا على مسيرة امتدت اثنين وأربعين عامًا، لم تتوقف عند شكلٍ واحد أو وسيلةٍ واحدة، بل أعادت تشكيل نفسها مع تغير الزمن. فما بدأ بلغةٍ فرضتها ظروف مرحلة، يتجه اليوم نحو لغةٍ يفرضها نضج التجربة؛ لغةٍ يكون فيها السلام ثمرةً للإرادة، والسياسة مساحةً لصناعة الحلول، والكلمة بدايةً لفصلٍ جديد.

فما بين البندقية والكلمة مسافةٌ طويلة من التاريخ والتضحيات والتحولات، لكن القيمة الحقيقية لأي تاريخ تكمن في قدرته على الوصول إلى لحظةٍ تصبح فيها الحياة أقوى من الحرب، والحوار أوسع من المواجهة، والمستقبل أكبر من الماضي.

وهكذا لا ينتهي الخامس عشر من آب عند بدايته، بل يستمر في تحوّلاته مع الزمن. فما بدأ بالبندقية يتجه اليوم نحو السياسة والحوار الديمقراطي، وما كان يومًا لغةً للمواجهة يمكن أن يصبح غدًا لغةً للسلام. وبين البداية وما يأتي بعدها تبقى إرادة الشعوب هي الثابت الوحيد، حين تتحول من ذاكرة الصراع إلى قوةٍ تصنع المستقبل.

 

روكان ولات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى