الاشتراكية وسيلة لتعزيز الوطنية
لم تكن الوطنية في أي مرحلة تاريخية مجرد فكرة ذهنية أو شعوراً عاطفياً منفصلاً عن حياة الناس اليومية. فالإنسان لا يشعر بالانتماء إلى وطنه فقط لأنه يعيش ضمن حدود جغرافية معينة، وإنما لأنه يرى نفسه جزءاً من جماعة بشرية تربطه بها مصالح مشتركة، وذاكرة مشتركة، ومسؤولية تجاه المستقبل

لم تكن الوطنية في أي مرحلة تاريخية مجرد فكرة ذهنية أو شعوراً عاطفياً منفصلاً عن حياة الناس اليومية. فالإنسان لا يشعر بالانتماء إلى وطنه فقط لأنه يعيش ضمن حدود جغرافية معينة، وإنما لأنه يرى نفسه جزءاً من جماعة بشرية تربطه بها مصالح مشتركة، وذاكرة مشتركة، ومسؤولية تجاه المستقبل.
لكن هذه العلاقة بين الفرد والمجتمع تعرضت لتحولات عميقة مع تغير طبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية؛ فحين تصبح الصراعات والمنافسة هي القاعدة الأساسية للعلاقات بين البشر، وحين يتحول الإنسان إلى فرد يسعى قبل كل شيء إلى حماية موقعه الخاص داخل نظام يقوم على التفاوت، يبدأ الشعور بالمصير المشترك بالتراجع لصالح الهويات الفرعية؛ عندها لا تختفي الوطنية من الخطاب العام، لكنها تفقد جزءاً كبيراً من مضامينها الاجتماعية.
إن المجتمعات تفقد روحها الوطنية بسبب ضعف الروابط التي تجعل الأفراد يشعرون بأنهم ينتمون إلى كيان يتجاوز هوياتهم الفرعية و مصالحهم الفردية؛ فالأوطان تبنى على أساس بناء الروابط والعلاقات الصحية بين الناس، وبمقدار وعي وشعور الأفراد بأن وجود الآخرين هو تنوع ولا يعتبر تهديداً لهم، سيكون هذا الوعي بمثابة العتبة الأولى اتجاه بناء منظومة ديمقراطية تؤسس حياة مشتركة وعادلة.
ولكن السؤال الأساسي هو: هل يمكن بناء وطنية حقيقية داخل مجتمع تسوده علاقات تقوم على الصراعات و محاولات الانكار والعزل؟ أم أن تعزيز الروح الوطنية يحتاج قبل كل شيء إلى إعادة بناء الفاهمة الاجتماعية التي تنتج روابط ومسؤوليات أخلاقية قبل كل شيء ؟
ضمن هذا السياق تظهر الاشتراكية كفكرة تتجاوز حدود الاقتصاد لتطرح سؤالاً يتعلق بطبيعة المجتمع نفسه؛ فهي، في أحد أبعادها الأساسية، محاولة لإعادة الاعتبار للأبعاد الاجتماعية في حياة الفرد، ولإيجاد علاقة أكثر توازناً بينه وبين الجماعة، وبين الحرية والمسؤولية، وبين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة.
ومن هذا المنظور، أن المجتمع الذي يعيد بناء علاقاته على أساس التعاون والعدالة والمشاركة يصبح أكثر قدرة على إنتاج شعور وطني حي، لأن الإنسان لا يدافع عن مجتمع يشعر أنه لا ينتمي إليه، بل عن مجتمع يرى نفسه شريكاً في بنائه.
أولاً: الاشتراكية بين الاقتصاد وبناء الإنسان الاجتماعي؛ المشاركة الفعالة
ارتبط مفهوم الاشتراكية تاريخياً بالصراع حول الثروة وملكية وسائل الإنتاج، ولذلك جرى اختزالها في كثير من الأحيان ضمن إطار اقتصادي ضيق؛ غير أن هذا الاختزال يحجب جانباً أساسياً من الفكرة الاشتراكية؛ فهي لم تظهر احتجاجاً على التفاوت الاقتصادي فقط، بل ظهرت أيضاً كرد فعل على تحول الإنسان إلى كائن منفصل عن مجتمعه، تحكم علاقاته منطق المنافسة والمصلحة الفردية أكثر مما تحكمها قيم التعاون والمسؤولية المشتركة.
فالمشكلة التي حاولت الاشتراكية طرحها لم تكن فقط: كيف تُوزع الثروة؟ بل كانت أيضاً: كيف يُبنى مجتمع لا يشعر فيه الإنسان بأنه يعيش منفصلاً عن الآخرين؟ لأن الظلم الاجتماعي لا ينتج فقط من الفقر المادي، وإنما ينتج كذلك من تفكك الروابط التي تجعل المجتمع قادراً على حماية أفراده والشعور بمصيرهم المشترك.
ومن هنا، فإن البعد الاجتماعي للاشتراكية يرتبط بفكرة إعادة الإنسان إلى موقعه داخل مجتمعه؛ فالإنسان ليس فرداً اقتصادياً فقط يبحث عن مصلحته الخاصة، بل هو كائن اجتماعي تتشكل هويته من خلال علاقاته مع الآخرين، وعندما تصبح هذه العلاقات قائمة على الصراع الدائم من أجل المنفعة، يضعف الشعور بالمسؤولية تجاه مجتمعه، ويتحول الوطن إلى إطار خارجي لا يعكس أي علاقات حقيقية بين أفراده.
إن الروح الوطنية لا تنمو في مجتمع يشعر فيه الإنسان بأنه متروك لمصيره الخاص، ولا في مجتمع تصبح فيه الفوارق الاجتماعية حاجزاً بين فئاته، فالانتماء يحتاج إلى شعور بالعدالة والمشاركة، لأن الإنسان يصعب أن يرتبط وجدانياً بمكان لا يشعر بأنه يملك دوراً في تشكيل مستقبله. ولهذا فإن العدالة الاجتماعية ليست قضية اقتصادية فقط، بل هي أحد الشروط التي تجعل الانتماء الوطني أكثر عمقاً واستقراراً.
خلاصة القول؛ كلما توسعت مساحات التعاون، وازدادت مشاركة الناس في الشؤون العامة، وتحولت المسؤولية الاجتماعية إلى قيم وقيمة حية، أصبح المجتمع أكثر قدرة على إنتاج هوية وطنية قائمة على المشاركة، لا على الاقصاء أو الإكراه.
إن التجارب التاريخية أظهرت أيضاً أن تحويل الاشتراكية إلى نظام مركزي يقوم على احتكار الدولة لكل مجالات الحياة لم يحقق بالضرورة المجتمع المتضامن الذي نادت به الفكرة الاشتراكية، فالمسألة لا تتعلق فقط بتغيير شكل الملكية أو المؤسسات، بل بطبيعة العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبقدرة الناس على أن يكونوا فاعلين في بناء حياتهم المشتركة.
إن الروح الوطنية تحتاج إلى بيئة اجتماعية حاضنة. فالمواطن لا يتحول إلى شريك حقيقي في وطنه عبر الخطابات والشعارات السياسية، بل من خلال تجربته الواقعية داخل مجتمعه، فعندما يلاحظ الإنسان أن الفرص موزعة وفق القوة أو النفوذ، وأن الآخرين يعيشون خارج دائرة اهتمامه، فإن العلاقة بالوطن تصبح علاقة شكلية، أما عندما يشعر بأن المجتمع يعترف به، ويحمي كرامته، ويمنحه فرصة المشاركة، فإن الانتماء يتحول إلى تجربة حية، وهذا ما ينطبق على المجموعة البشرية ( أحد المكونات ) كما ينبطق على الفرد ذاته .
في حديثنا عن الاشتراكية وبناء الهوية لابد أن نتطرق إلى أحد أهم مولدات الروح الوطنية وهي: العدالة الاجتماعية، إذ أنها العنصر الأساسي في بناء الثقة بين المكونات وحتى بين الإنسان ومجتمعه، وكذلك فالثقة والشعور بالعدالة هي أحد الشروط التي تجعل الأفراد مستعدين لتحمل المسؤولية تجاه الآخرين، والمشاركة في القضايا العامة، والنظر إلى المصلحة المشتركة بوصفها جزءاً من مصالحهم الخاصة.
وفي هذا الإطار، تطرح الاشتراكية فكرة مهمة تتعلق بإعادة الاعتبار للعمل الجماعي بعيداً عن الفردية التي دمرت كل معالم الحضارة الإنسانية؛ كلما امتلك المجتمع قدرة أكبر على التنظيم الذاتي وقام على الشراكة، ازدادت قدرته على حماية القيم الإنسانية المشتركة، وعلى إنتاج وطنية نابعة من المشاركة بوعي وذاكرة داعمة للوحدة الوطنية.
ثانياً: الاشتراكية والهوية الوطنية خارج منطق الدولة
ارتبط مفهوم الوطنية، في التجارب الحديثة، غالباً بالدولة ومؤسساتها، حتى أصبح الانتماء الوطني يُقاس بدرجة ارتباط الفرد بالمشروع السياسي الذي تمثله الدول!!، غير أن هذا الفهم يطرح إشكالية أساسية: هل تستطيع الدولة وحدها أن تنتج شعوراً وطنياً مستقراً، أم أن الوطنية تحتاج إلى قاعدة اجتماعية أعمق من المؤسسات السياسية؟
إن الدولة قادرة على صياغة القوانين، وإدارة المؤسسات، وحماية المجال العام، لكنها لا تستطيع وحدها خلق الروابط الأخلاقية والوجدانية لتي تجعل الإنسان يشعر بأن وطنه هو امتداد لوجوده وحقيقته.
ومن هنا تطرح الاشتراكية تصوراً مختلفاً لعلاقة الإنسان بوطنه، فهي لا تنظر إلى الوطنية باعتبارها مجرد ولاءات سياسية، بل يجب أن يكون الإنسان حاضراً في مجتمعه، ومشاركاً في إنتاج شروط حياته، وهو ما يدفعه إلى الشعور بالقيمة المعنوية التي تتجاوز القيمة المادية ( الأنانية المفرطة)، الأمر الذي يجعله أحد الفواعل الأساسية لبناء الهوية.
ولهذا فإن الاشتراكية لا ترى أن قوة الوطن تأتي فقط من وحدة المؤسسات أو مركزية القرار، بل من قوة المجتمع نفسه، فالمجتمع الذي يمتلك مؤسسات مدنية واقتصادية وثقافية فاعلة، ويستطيع أفراده التعاون في إدارة شؤونهم الخاصة، يكون أكثر قدرة على حماية هويته الوطنية من مجتمع يعتمد بالكامل على أساس السلطة المركزية.
وهنا يظهر اختلاف جوهري بين وطنية تقوم على الامتثال ووطنية تقوم على المشاركة؛ ففي الحالة الأولى يصبح المواطن مرتبطاً بالوطن من خلال ما يُطلب منه تقديمه للدولة ( الواجبات )، أما في الحالة الثانية فيصبح الانتماء نتيجة لشعوره بأنه شريك في بناء المجتمع ( المسؤوليات)، وهذا فرق يجب الوقوف عنده بجدية أكثر.
أخيراً؛ إن تعزيز الروح الوطنية لا يتحقق بمجرد استدعاء الذاكرة التاريخية والرموز المشتركة، بل عبر بناء حاضر يشعر فيه الإنسان بأن المجتمع الذي ينتمي إليه يعترف بوجوده وكرامته ودوره.
رابعاً: التحديات وآفاق بناء الاشتراكية المجتمعية
رغم قوة الفكرة الاشتراكية من حيث ارتباطها بالتضامن والعدالة الاجتماعية، فإن تحويلها إلى واقع عملي واجه تحديات كبيرة، بعضها مرتبط بالتجارب التاريخية التي رفعت اسم الاشتراكية، وبعضها مرتبط بطبيعة التحولات التي طرأت على المجتمعات الحديثة، لذلك فإن الدفاع عن البعد الاجتماعي للاشتراكية لا يعني تجاهل الإشكالات التي رافقت تطبيقاتها، بل يتطلب قراءة نقدية تميز بين الفكرة من جهة، وبين النماذج التاريخية التي جسدتها من جهة أخرى.
أحد أكبر التحديات التي واجهت الاشتراكية كان خطر اختزالها في بناء مؤسسات مركزية تدار من الأعلى، بحيث يصبح المجتمع متلقياً للقرارات بدلاً من أن يكون شريكاً في إنتاجها؛ فحين تتحول العدالة الاجتماعية إلى مجرد إجراءات إدارية، وتنفصل عن مشاركة الناس وتنظيمهم الذاتي، تفقد الاشتراكية جانباً أساسياً من معناها، لأن المجتمع لا يتحول إلى مجتمع متضامن بمجرد تغيير شكل السلطة أو الملكية.
إن العالم اليوم لا يعيش فقط مشكلة تفكك الروابط الاجتماعية وتوزيع الثروة، بل يواجه أيضاً قضايا تتعلق بالمعرفة، والبيئة، والهوية، وطبيعة العمل، واتساع الفجوة بين من يمتلكون القدرة على التأثير ومن يجدون أنفسهم خارج دوائر القرار، وهذا يعني أن أي تصور اشتراكي معاصر يحتاج إلى تجاوز القضايا الاقتصادية التقليدية نحو رؤية أوسع لعلاقة الإنسان بالمجتمع والطبيعة ومستقبله.
ومن التحديات الأساسية أيضاً أن بناء مجتمع متضامن لا يمكن أن يتم بإصدار قرارات أو مراسيم أو تصريحات سياسية فقط؛ فالتضامن ليس مؤسسة تُنشأ بمرسوم يلقى على الناس، وإنما ثقافة تحتاج إلى زمن طويل ومصداقية حتى تتجذر فيها الثقة- يحتاج إلى تأهيل الوعي العام، وإلى مؤسسات مدنية حقيقية، وإلى أشكال من التعاون تجعل الإنسان يختبر عملياً معنى المشاركة والمسؤولية المشتركة.
ولهذا فإن مستقبل الاشتراكية يرتبط بقدرتها على إعادة تعريف نفسها كمشروع ديمقراطي مجتمعي الصفة، لا كمجرد نموذج اقتصادي أو شعارات رمزية؛ فالمجتمع الذي يسعى إلى العدالة يحتاج في الوقت نفسه إلى الحرية، والمشاركة، والتعددية، لأن العدالة التي تُفرض من دون مشاركة تتحول إلى إدارة، والمساواة التي تُبنى على إلغاء الاختلاف تفقد أبعادها الإنسانية.
ومن هنا، فإن إعادة بناء الروح الوطنية عبر الاشتراكية لا تعني العودة إلى النماذج الماضية، بل البحث عن صيغة جديدة تجعل العدالة الاجتماعية والتضامن والديمقراطية عناصر مترابطة.
الخاتمة: الاشتراكية كطريق لإحياء العلاقة بين الإنسان والمجتمع والوطن
تعود مسألة الوطنية في النهاية إلى سؤال أعمق من حدود السياسة وشعارات الانتماء؛ إنها تتعلق بطبيعة العلاقة التي تربط الإنسان بالمجتمع الذي يعيش فيه، فالوطن لا يصبح قيمة حية عندما يُطلب من الناس الدفاع عنه فقط، بل عندما يشعرون أنهم جزء من بنائه، وأن وجودهم فيه ليس وجوداً هامشياً، وإنما مشاركة فعلية في صناعة حاضره ومستقبله.
ومن هنا تبرز أهمية إعادة التفكير في الاشتراكية بعيداً عن الصور النمطية التي حصرتها في الاقتصاد أو ربطتها بتجارب تاريخية محددة، فجوهر الفكرة الاشتراكية يرتبط بسؤال اجتماعي قبل أن يكون اقتصادياً: كيف يمكن بناء مجتمع لا يشعر فيه الإنسان بأنه منفصل عن الآخرين؟ وكيف يمكن تحويل التضامن من قيمة أخلاقية مجردة إلى علاقة يومية تحكم حياة الناس؟
والروح الوطنية لا تُنتج فقط عبر الذاكرة المشتركة أو الرموز التاريخية، بل عبر التجربة التي يعيشها الإنسان داخل مجتمعه، وعندما يجد الفرد أن كرامته مصانة، وأن صوته مسموع ووجوده مشروع وبعبر عن ثقافته، وأن نجاح المجتمع لا يقوم على إقصائه، يصبح انتماؤه أمر لابد منه.
أما عندما يشعر بأن المجتمع منقسم إلى فئات متنافسة، وأن العدالة غائبة، فإن العلاقة بالوطن تصبح عرضة للانهيار مهما كان هناك قوة للخطابات والشعارات الوطنية.
إن التحدي الأكبر أمام المجتمعات المعاصرة هو كيفية إنتاج المعنى المشترك الذي يجعل القيمة الاجتماعية مولداً للروح الوطنية و بناء المستقبل المشترك وتحدي الأزمات القادمة .
وفي النهاية، فإن تعزيز الروح الوطنية لا يبدأ من رفع مستوى الخطاب حول الوطن، بل من إعادة بناء العلاقة بين الإنسان ومجتمعه، فالإنسان لا ينتمي بعمق إلى مكان يشعر فيه بأنه غريب عن الآخرين، وإنما ينتمي إلى المكان الذي يرى فيه أثراً لمشاركته ودوره ومسؤوليته. ومن هنا تصبح الاشتراكية، عندما تُفهم بوصفها مشروعاً لبناء مجتمعات متضامنة وديمقراطية، أحد السبل لإعادة تأسيس الوطنية على قاعدة أكثر عمقاً وإنسانية.
حقي زاغروس



