15 آب… حين استعادت الإرادة الكردية صوتها
هناك محطات مفصلية في حياة الشعوب كما تمر الأيام، وهناك تواريخ تتحول إلى محطات يتغير عندها مسار التاريخ؛ لأنها لا تترك أثرها في الميدان وحده، بل في وجدان الإنسان ووعيه وإيمانه بالمستقبل. ويُنظر إلى الخامس عشر من آب بوصفه إحدى تلك المحطات التي شكّلت، لدى قطاع واسع من أبناء الشعب الكردي، بداية مرحلة جديدة انتقلت فيها القضية الكردية من حالة الانكسار والصمت إلى مرحلة اتسمت بمبادرات جديدة وبحضور سياسي وعسكري أكثر وضوحًا.

هناك محطات مفصلية في حياة الشعوب كما تمر الأيام، وهناك تواريخ تتحول إلى محطات يتغير عندها مسار التاريخ؛ لأنها لا تترك أثرها في الميدان وحده، بل في وجدان الإنسان ووعيه وإيمانه بالمستقبل. ويُنظر إلى الخامس عشر من آب بوصفه إحدى تلك المحطات التي شكّلت، لدى قطاع واسع من أبناء الشعب الكردي، بداية مرحلة جديدة انتقلت فيها القضية الكردية من حالة الانكسار والصمت إلى مرحلة اتسمت بمبادرات جديدة وبحضور سياسي وعسكري أكثر وضوحًا.
قبل تلك المرحلة، عاش الشعب الكردي سنوات ثقيلة من الألم؛ فقد ترافقت عقود طويلة مع سياسات إنكار الهوية الكردية، وفرض القيود على اللغة والثقافة، وملاحقة كثير من أشكال التعبير عن الانتماء القومي. وفي ظل هذه الظروف، ترسخ لدى كثيرين شعور بأن أبواب المستقبل قد أُغلقت، وأن الحديث عن الحقوق أو الهوية أصبح محفوفًا بالمخاطر. لم يكن الخوف مجرد إحساس عابر، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية، حتى بدا وكأن الصمت هو الخيار الوحيد للبقاء.
لكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب قد تصمت طويلًا، إلا أنها لا تفقد قدرتها على النهوض؛ فالإرادة قد تنحني تحت ضغط الظروف، لكنها لا تموت ما دام هناك من يؤمن بأن الكرامة لا تُستعاد إلا بالفعل، وأن الحرية لا تولد من الأمنيات وحدها، بل من الاستعداد لتحمل مسؤولية الدفاع عنها.
وفي هذا المناخ جاءت التحضيرات التي سبقت انطلاقة الخامس عشر من آب. وكانت الخطة الأولى، بحسب ما يُتداول في تاريخ الحركة، تستهدف تنفيذ العملية في عام 1984، غير أن القيادة رأت أن الظروف لم تكن قد نضجت بعد، وأن نجاح خطوة بهذا الحجم يحتاج إلى إعداد سياسي وتنظيمي وعسكري كامل، فتم تأجيل التنفيذ حتى تكتمل عناصره.
ومن منطقة خاكورك، على ضفاف نهر لولان، بدأت مرحلة جديدة من التحضير. لم يكن ذلك الإعداد مجرد تدريب عسكري، بل كان بناءً للإرادة والانضباط والثقة، وإيمانًا بأن التحولات الكبرى لا تُصنع بالاندفاع، وإنما بالتخطيط والصبر. وحين اكتملت الاستعدادات، جاء الخامس عشر من آب ليحمل معه بداية مرحلة جديدة في تاريخ الحركة.
وجاء اختيار شمدينلي هدفًا للعملية لما تحمله من أهمية جغرافية واستراتيجية؛ فهي تقع في منطقة المثلث الحدودي بين تركيا والعراق وإيران، وتشكل نقطة ذات دلالات عسكرية وسياسية. وكان الوصول إلى هذه المنطقة يحمل رسالة بأن المبادرة قادرة على الوصول إلى أكثر المواقع حساسية، وأن الجغرافيا التي بدت مغلقة يمكن أن تحول إلى مساحة للفعل.
وفي تلك الانطلاقة برز اسم القائد العسكري معصوم قورقماز (عكيد)، الذي ارتبط بقيادة العملية، وأصبح اسمه جزءًا من ذاكرة هذه المرحلة. فقد رأى كثير من أبناء الشعب الكردي في قيادته رمزًا للإقدام والإيمان بالهدف، ورأوا في تلك اللحظة بداية انتقال من مرحلة الدفاع عن البقاء إلى مرحلة المبادرة وصناعة الحدث.
ولم يكن أثر الخامس عشر من آب عسكريًا فقط؛ فالحدث ترك، في نظر كثير من أبناء الشعب الكردي، أثرًا نفسيًا ومعنويًا عميقًا؛ إذ أعاد الثقة إلى آلاف الأشخاص الذين كانوا يعتقدون أن قضيتهم قد دخلت مرحلة من الجمود. ومن هنا لم يعد الحديث يدور حول عملية عسكرية بقدر ما أصبح يدور حول استعادة الإرادة، وكسر حاجز الخوف، وإحياء الشعور بأن المستقبل لا يُمنح للشعوب، بل تصنعه بإصرارها.
ولهذا السبب، وُصف ذلك اليوم بتعابير عديدة؛ فهناك من رآه بداية عهد جديد، وآخرون اعتبروه ميلادًا جديدًا لمرحلة مختلفة؛ لأنه لم يغيّر المشهد الميداني فحسب، بل غيّر أيضًا نظرة كثير من الكرد إلى أنفسهم وإلى قدرتهم على التأثير في مجرى الأحداث.
ومنذ تلك الانطلاقة، بدأت الحركة تدخل مراحل جديدة من التطور التنظيمي والعسكري، فتطورت قواتها من (HRK) إلى (ARGK) ثم إلى (HPG)، وتوسعت رقعة انتشارها في أجزاء مختلفة من جغرافية كردستان. ولم يكن هذا التطور مجرد تغيير في الأسماء أو الهياكل، بل جاء نتيجة تراكم التجربة واتساع دائرة التنظيم، وما رافق ذلك من تحولات سياسية واجتماعية أثرت في مسار الحركة خلال العقود اللاحقة.
غير أن القيمة الأعمق لهذه المحطة لا تكمن فقط فيما نتج عنها من تطورات تنظيمية أو عسكرية، بل فيما أحدثته من تحول في وعي الإنسان الكردي. فحين يستعيد الإنسان ثقته بنفسه، ويؤمن بأن له مكانًا في التاريخ، يصبح أكثر قدرة على الدفاع عن هويته، والمشاركة في صياغة مستقبله، وتحمل مسؤولية قضيته.
ومن هنا ارتبط الخامس عشر من آب، في وجدان كثير من أبناء الشعب الكردي، أيضًا بالأفكار التي طرحها القائد عبد الله أوجلان (APO)، والتي ركزت على أن التحرر الحقيقي يبدأ بتحرير الإنسان من الخوف، وببناء مجتمع يمتلك الوعي والتنظيم والإرادة. ووفق هذا التصور، لا يكون السلاح غاية بحد ذاته، بل وسيلة في سياق مشروع أوسع يضع الإنسان وكرامته في مركز الاهتمام، ويجعل الحرية مسؤولية جماعية قبل أن تكون مطلبًا سياسيًا.
واليوم، وبعد مرور عقود على تلك الانطلاقة، ما زال الخامس عشر من آب حاضرًا في الذاكرة الكردية بوصفه محطة تاريخية ارتبطت باستعادة الإرادة والأمل. فقد تغيرت ظروف كثيرة، وتعاقبت أحداث وتحولات كبرى، لكن أثر تلك اللحظة بقي حاضرًا؛ لأنها مثّلت، بالنسبة إلى كثيرين، بداية مسار جديد، ورسخت قناعة بأن الشعوب التي تتمسك بهويتها، وتستثمر في وعيها وتنظيمها، تستطيع أن تواصل طريقها رغم الصعوبات.
إن التاريخ لا يخلّد الشعوب لأنها انتصرت في معركة، ولا لأنه يروي أخبار الحروب وحدها، بل لأنه يحفظ اللحظات التي استطاع فيها الإنسان أن ينتصر على خوفه أولًا. وربما كانت هذه هي الرسالة الأعمق التي بقيت حية في ذاكرة كثير من أبناء الشعب الكردي منذ الخامس عشر من آب: أن الإرادة حين تستعيد صوتها، لا تغيّر معركة فحسب، بل قد تفتح صفحة جديدة في تاريخ شعب بأكمله
كارين مصطفى



